محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

390

الآداب الشرعية والمنح المرعية

من الشخصين المتغايرين بالخلقة والأخلاق الاتفاق والائتلاف ؟ فإذا ثبتت هذه القاعدة أفادت شيئين : إقامة الأعذار ، وحسن التأويل الحافظ للمودات والدخول على بصيرة بأن ما يندر من الأخلاق المحمودة إذا غلب على أخلاق الشخص مع الشخص فهما الصديقان ، فأما طلب الدوام والسلامة من الإخلال في ذاك والانخرام فهو الذي أوجب القول لمن قال إن الصديق اسم لمن لم يخرج إلى الوجود ، وإن تبع ذلك في الأسماء كلها وجب إفلاس المسميات . فأما تسمية الإنسان نفسه عبدا مع ارتكاب المخالفة فهي بعيدة عن الحقيقة ، إنما أنت عبد من طريق شواهد الصنعة التي تنطق بوحدته فيها بغير شريك له في إخراجه إلى الوجود ، فأما من طريق إجابة عادة العبد للمعبود فلا ، فمن لا يصفو له اسم عبد لرب أبدأه وأنشأه ولا يصفو لنفسه في اسم ناصح لها بطاعة عقله وعصيان هواه يراد منه أن يصفو فيه اسم صديق ، فاقنع من الصداقة بما قنع اللّه سبحانه منك في العبودية ، مع أنك ما صفوت في الاسم فأنت إلى أن تكون عبد هواك وشيطانك أقرب ، لأن موافقتها فيه أكثر - إلى أن قال - لا اقتصر في ذلك على الآدمي بل كل موجود صدر عن الفاعل جلت عظمته لم يصف من شوب حتى الأغذية والأدوية ذات المضار والمنافع - إلى أن قال : وإذا كان الأمر كله كذا فطلب ما وراء الطباع ، طلب ما لا يستطاع ، وذلك نوع من العنت والتنطع ، ومن طلب العزيز الممتنع عذب نفسه ، وجهل عقله ، وضلل رأيه ، وقبيح بالعاقل أن يعتمد إضرار نفسه وإتعابها فيما لا يجدي نفعا ، وكفاه بتعجيل التعب ضررا ، ومع كون النفس تطلب الكمال في الصداقة وفي العيش وغير ذلك مما قد ظهر إلى الوجود ناقصا فلا بد أن يكون في طي القدرة والعلم الإلهي ذلك ويستخرجه إلى الوجود وقت الإعادة وإرادة الحياة الدائمة ومنحه النعيم الباقي . ثم ذكر صفة الجنة والنار إلى أن قال : يقطع الكلام في هذا المقام أن يقال إن وجدت من نفسك خلال الصداقة وشروطها مع النقد والاختبار من الهوى لم تجد لنفسك ثانيا ، فقل ما شئت من اللوم والعذل والتوبيخ ، ونح على أبناء الزمان بالوحدة في هذا المقام ، فأما إذا لم تجد ذاك في نفسك لعجز البنية عنه فاقطع القول في ذلك فلا مؤاخذة على ما لا يدخل تحت القدرة ، وقال أيضا : صداقة العقلاء قرابة الأبد ، ومحبة الدخلاء فرح ساعة . وقال ابن الجوزي في أثناء كلام له : العاقل من لم يثق بأحد ، ولم يسكن إلى مخلوق ، ومع هذا فالمباينة للكل لا تصلح إذ لا بد منهم ، وإنما تبتغي المداراة لا المودة ، والمسايرة بالأحوال لا المجاهرة ، وكتمان الأمور من الخلق كلهم مهما أمكن الأقارب والأباعد ، والنظر للنفس في مصالحها - إلى إن قال عن الفقير - لا ينفق إلا على الخالق سبحانه فاقبل عليه ترى أعجب العجب ، وإياك أن تثق بغيره أو تميل إلى سواه فتلقى العطب وهو وعزته الذي يجده المضطر في الشدائد والمحزون عند الهموم ، والمكروب عند الغموم احذر من مخالفته فإن عقوبتها داء دفين لا يؤمن تحركه ، وقال أيضا : متى رأيت الشخص معتدل الخلقة حسن